في مَدينَةٍ عَصْرِيَّةٍ تَضِجُّ بِالأَنْوارِ وَالْحَرَكَةِ، كانَ أَلْفافُ يَقِفُ مُنْتَظِراً الْحافِلَةَ بَعْدَ يَوْمٍ دِراسيٍّ طَويلٍ. كانَ يَحْمِلُ حَقيبَتَهُ الثَّقيلَةَ وَيَشْعُرُ بِتَعَبٍ شَديدٍ في قَدَمَيْهِ، وَكُلُّ ما كانَ يَتَمَنّاهُ هُوَ مَقْعَدٌ مُريحٌ يَرْكَنُ إِلَيْهِ حَتّى يَصِلَ إِلى مَنْزِلِهِ.
عِنْدَما وَصَلَتِ الْحافِلَةُ، انْدَفَعَ أَلْفافُ نَحْوَ الدّاخِلِ بِسُرْعَةٍ، وَلِحُسْنِ حَظِّهِ، وَجَدَ مَقْعَداً شاغِراً بِجانِبِ النّافِذَةِ. جَلَسَ مُسْتَرْخِياً وَبَدَأَ يُراقِبُ الْمَباني الشّاهِقَةَ وَهِيَ تَمُرُّ مِنْ أَمامِهِ، مُسْتَمْتِعاً بِنَسيمِ الْمُكَيِّفِ الْبارِدِ.
بَعْدَ مَحَطَّتَيْنِ، صَعِدَ رَجُلٌ مُسِنٌّ يَتَوَكَّأُ عَلى عَصاهُ. كانَ ظَهْرُهُ مُنْحَنِياً قَليلاً، وَتَجاعيدُ وَجْهِهِ تَرْوي قِصَصاً طَويلَةً مِنَ الْعُمُرِ. نَظَرَ الرَّجُلُ حَوْلَهُ، لَكِنَّ الْحافِلَةَ كانَتْ قَدِ امْتَلَأَتْ تَماماً. وَقَفَ الرَّجُلُ بِصُعوبَةٍ مُمْسِكاً بِالْمِقْبَضِ الْحَديدِيِّ، وَكانَتْ يَدُهُ تَرْتَجِفُ قَليلاً مَعَ كُلِّ تَوَقُّفٍ مُفاجِئٍ لِلْحافِلَةِ.
رأى أَلْفافُ ذَلِكَ الْمَشْهَدَ، فَشَعَرَ بِوخْزَةٍ في قَلْبِهِ. تَذَكَّرَ كَلامَ جَدِّهِ عَنْ بَرَكَةِ تَوْقيرِ الْكَبيرِ، وَكَيفَ أَنَّ الْقُوَّةَ الَّتي يَمْتَلِكُها الآنَ هِيَ أَمانَةٌ يَجِبُ أَنْ يَسْتَخْدِمَها في نَفْعِ الآخَرينَ. لَمْ يَتَرَدَّدْ أَلْفافُ لَحْظَةً؛ نَهَضَ مِنْ مَقْعَدِهِ بِهُدوءٍ، وَاقْتَرَبَ مِنَ الرَّجُلِ الْمُسِنِّ قائِلاً بابتسامَةٍ طَيِّبَةٍ: «تَفَضَّلْ يا عَمّاهُ، هَذا الْمَقْعَدُ لَكَ».
نَظَرَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ بِدَهْشَةٍ مَمْزوجَةٍ بِالْفَرَحِ، وَدَعا لَهُ قائِلاً: «بارَكَ اللهُ فيكَ يا بُنَيَّ، وَأَنْبَتَكَ نَباتاً حَسَناً». شَعَرَ أَلْفافُ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَنَّ التَّعَبَ قَدْ زالَ عَنْ قَدَمَيْهِ تَماماً، وَحَلَّ مَحَلَّهُ شُعورٌ بِالرِّضا وَالسَّكينَةِ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ مِنْ قَبْلُ، فَقَدْ تَعَلَّمَ أَنَّ رَاحَةَ الْقَلْبِ تَبْدَأُ حِينَ نُقَدِّمُ رَاحَةَ غَيْرِنا عَلَى أَنْفُسِنا.