فِي لَيْلَةٍ هَادِئَةٍ دَاخِلَ مُخْتَبَرِ العُلُومِ بِالمَدْرَسَةِ، وَتَحْتَ عَدَسَةِ المِجْهَرِ، اسْتَيْقَظَتْ خَلِيَّتَانِ لَطِيفَتَانِ. كَانَتِ الأُولَى خَضْرَاءَ زَاهِيَةً وَمُرَبَّعَةَ الشَّكْلِ تُدْعَى «نَبَاتَة»، وَالثَّانِيَةُ مُسْتَدِيرَةً وَمَرِنَةً تُدْعَى «حَيَوَانَة». بَدَأَتْ «نَبَاتَة» الحِوَارَ قَائِلَةً: «الحَمْدُ للهِ الذِي جَعَلَنِي قَوِيَّةً، انْظُرِي يَا صَدِيقَتِي إِلَى جِدَارِي الخَلَوِيِّ السَّمِيكِ، إِنَّهُ يَمْنَحُنِي شَكْلاً ثَابِتًا وَيَحْمِينِي كَالدِّرْعِ المَتِينِ».
تَبَسَّمَتْ «حَيَوَانَة» وَقَالَتْ: «أَهْلاً بِكِ يَا نَبَاتَة، أَنَا لا أَمْلِكُ جِدَارًا مِثْلَكِ، لَكِنَّنِي أَمْتَلِكُ غِشَاءً خَلَوِيًّا رَقِيقًا يُمَكِّنُنِي مِنَ الحَرَكَةِ وَتَغْيِيرِ شَكْلِي بِسُهُولَةٍ، وَهُوَ مَوْجُودٌ عِنْدَكِ أَيْضًا تَحْتَ جِدَارِكِ. لَكِنْ أَخْبِرِينِي، مَا هَذِهِ الأَجْسَامُ الخَضْرَاءُ الصَّغِيرَةُ دَاخِلَكِ؟»
أَجَابَتْ «نَبَاتَة» بِفَخْرٍ: «هَذِهِ هِيَ البِلاسْتِيدَاتُ الخَضْرَاءُ، وَهِيَ مَصْنَعِي الخَاصُّ؛ فَأَنَا أَصْنَعُ غِذَائِي بِنَفْسِي بِاسْتِخْدَامِ ضَوْءِ الشَّمْسِ، أَمَّا أَنْتِ فَتَحْتَاجِينَ لِلبَحْثِ عَنْ طَعَامِكِ». ضَحِكَتْ «حَيَوَانَة» وَقَالَتْ: «صَدَقْتِ! وَلَكِنَّنَا نَتَشَابَهُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، فَلَدَيْنَا نَوَاةٌ تُدِيرُ شُؤُونَنَا، وَسَايْتُوبلازم يَسْبَحُ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ، وَمِيتُوكُنْدِرِيَا لِتَوْلِيدِ الطَّاقَةِ».
نَظَرَتْ «نَبَاتَة» إِلَى الفَجْوَةِ العَصَّارِيَّةِ الضَّخْمَةِ فِي وَسَطِهَا وَقَالَتْ: «انْظُرِي، فَجْوَتِي كَبِيرَةٌ لِتَخْزِينِ المَاءِ، بَيْنَمَا فَجَوَاتُكِ أَنْتِ صَغِيرَةٌ جِدًّا». قَالَتْ «حَيَوَانَة» بِامْتِنَانٍ: «سُبْحَانَ الخَالِقِ! لَقَدْ خَلَقَ كُلاً مِنَّا بِتَرْكِيبٍ يُنَاسِبُ دَوْرَهُ فِي الحَيَاةِ، أَنْتِ لِتَبْنِي الغَابَاتِ، وَأَنَا لِأَبْنِي جِسْمَ الإِنْسَانِ وَالحَيَوَانِ، وَكُلَّنَا نَعْمَلُ بِتَكَامُلٍ».