فِي بَيْتٍ جَمِيلٍ تَحُفُّهُ الْأَزْهَارُ، كَانَ الطِّفْلُ عَبْدُالرَّحْمَنِ يَسْتَيْقِظُ كُلَّ صَبَاحٍ بِنَشَاطٍ لِيَحْفَظَ آيَاتِ اللَّهِ. كَانَ عَبْدُالرَّحْمَنِ يُحِبُّ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ، وَيَشْعُرُ أَنَّ كُلَّ آيَةٍ يَحْفَظُهَا تَمْلأُ قَلْبَهُ طُمَأْنِينَةً وَنُورًا.
ذَاتَ يَوْمٍ، كَانَ عَبْدُالرَّحْمَنِ يَلْعَبُ فِي مَزْرَعَةِ جَدِّهِ الْخَضْرَاءِ، فَوَجَدَ مِحْفَظَةً جِلْدِيَّةً مَلِيئَةً بِالنُّقُودِ تَحْتَ شَجَرَةِ النَّخِيلِ. تَذَكَّرَ عَبْدُالرَّحْمَنِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الْأَمَانَةِ، فَلَمْ يَتَرَدَّدْ لَحْظَةً، بَلْ أَسْرَعَ إِلَى أُمِّهِ وَجَدَّتِهِ لِيُخْبِرَهُمَا بِمَا وَجَدَ.
قَالَتْ لَهُ أُمُّهُ بِفَخْرٍ: «يَا بُنَيَّ، إِنَّ حِفْظَكَ لِلْقُرْآنِ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الصِّدْقَ خُلُقَكَ، فَالْقُرْآنُ يُهَذِّبُ النُّفُوسَ». وَأَضَافَتْ جَدَّتُهُ وَهِيَ تَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهِ: «بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ يَا عَبْدَالرَّحْمَنِ، مَنْ صَدَقَ مَعَ اللَّهِ صَدَقَ مَعَ النَّاسِ، وَبِرُّكَ بِنَا وَطَاعَتُكَ هِيَ ثَمَرَةُ هَذَا النُّورِ فِي صَدْرِكَ».
جَاءَتْ أُخْتُهُ الصَّغِيرَةُ جَنَى وَقَالَتْ: «أَنَا أَيْضًا أُرِيدُ أَنْ أَحْفَظَ مِثْلَكَ يَا أَخِي لِأَكُونَ أَمِينَةً وَمَحْبُوبَةً». ابْتَسَمَ عَبْدُالرَّحْمَنِ وَقَبَّلَ يَدَ أُمِّهِ وَجَدَّتِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ مَعَهُمْ لِيُعِيدَ الْمِحْفَظَةَ لِصَاحِبِهَا، شَاعِرًا بِسَعَادَةٍ لَا تُوصَفُ لِأَنَّ بَرَكَةَ الْقُرْآنِ جَعَلَتْهُ يَمْشِي فِي طَرِيقِ الْخَيْرِ.
