في قَرْيَةٍ هادِئَةٍ تَحُفُّها أَشْجارُ النَّخيلِ، كانَتْ تَعِيشُ طِفْلَةٌ ذَكِيَّةٌ تُدعى «أَلْفاف». كانَتْ أَلْفافُ تَمْتَلِكُ طاقَةً كَبيرَةً وَرَغْبَةً في التَّعَلُّمِ، لَكِنَّها في بَعْضِ الأَحْيانِ كانَتْ تَنْسى أَنَّ لِلْكَلامِ آداباً، وَلِلْكِبارِ مَقاماً. وفي يَوْمٍ صَيْفِيٍّ مُشْمِسٍ، أَعْلَنَ شَيْخُ القَرْيَةِ عَنْ مُسابَقَةٍ لِجَمْعِ نَوادِرِ الأَمْثالِ العَرَبِيَّةِ، وَكانَتْ الجائِزَةُ رِحْلَةً إلى المَكْتَبَةِ المَلَكِيَّةِ في المَدينَةِ.
انْطَلَقَتْ أَلْفافُ بِحَماسٍ، وَقَرَّرَتْ أَنْ تَسْأَلَ الجَدَّ «مَنْصور»، وَهُوَ أَقْدَمُ بَسْتانيٍّ في القَرْيَةِ. حينَ وَصَلَتْ، وَجَدَتْهُ يَعْمَلُ بِجِدٍّ في سَقْيِ الشُّتُلاتِ. صاحَتْ أَلْفافُ مِنْ بَعيدٍ دُونَ سَلامٍ: «يا جَدُّ مَنْصور! أُريدُ أَمْثالاً قَديمَةً لِلْمُسابَقَةِ، أَسْرِعْ فَأَنَا مُسْتَعْجِلَةٌ!». نَظَرَ الجَدُّ إِلَيْها بِهُدوءٍ، ثُمَّ عادَ لِعَمَلِهِ دُونَ أَنْ يُجيبَ. شَعَرَتْ أَلْفافُ بِالضّيقِ وَظَنَّتْ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْها، فَكَرَّرَتْ طَلَبَها بِنَبْرَةٍ أَعْلى.
حينَها، وَقَفَ الجَدُّ وَمَسَحَ عَرَقَهُ، وَقالَ بِصَوْتٍ رَخيمٍ: «يا ابْنَتي، البُذورُ لا تَنْبُتُ إِلا في تُرْبَةٍ صالِحَةٍ، وَالكَلِماتُ لا تَصِلُ إِلا إِذا خَرَجَتْ بِمِفْتاحِها». سَأَلَتْ أَلْفافُ بِتَعَجُّبٍ: «وَمَا هُوَ هَذا المِفْتاحُ؟». ابْتَسَمَ الجَدُّ وَقالَ: «إِنَّهُ الاِحْتِرامُ. لَقَدْ نَسيتِ السَّلامَ، وَلَمْ تُراعي تَعَبي، وَتَحَدَّثْتِ كَمَنْ يَأْمُرُ لا كَمَنْ يَسْأَلُ». خَجِلَتْ أَلْفافُ وَأَطْرَقَتْ بِرَأْسِها، فَقَدْ أَدْرَكَتْ أَنَّ حَماسَها جَعَلَها تَتَجاوَزُ حُدودَ الأَدَبِ.
اعْتَذَرَتْ أَلْفافُ بِأَدَبٍ قائِلَةً: «سامِحْني يا جَدِّي، السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ. هَلْ تَسْمَحُ لِي بِقَليلٍ مِنْ وَقْتِكَ؟». تَهَلَّلَ وَجْهُ الجَدِّ وَأَجْلَسَها في ظِلِّ شَجَرَةِ سِدْرٍ، وَبَدَأَ يَقُصُّ عَلَيْها مِنْ رَوائِعِ الحِكَمِ وَالأَمْثالِ، مِثْلَ «مَنْ وَقَّرَ كَبيراً، وَقَّرَهُ اللهُ عِنْدَ كِبَرِهِ». تَعَلَّمَتْ أَلْفافُ في ذَلِكَ اليَوْمِ أَنَّ الاِحْتِرامَ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِماتٍ، بَلْ هُوَ تَوْقيرٌ لِلْخَلْقِ تَقَرُّباً لِلْخالِقِ، وَأَنَّ نَيْلَ المَطالِبِ يَبْدَأُ دائِماً بِحُسْنِ الخُلُقِ.
